محمد جمال الدين القاسمي

434

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

ثم قال : فقد برح الخفاء وانكشف الغطاء وبان للقراء أن لا إجماع بين النصارى أنفسهم على حصول الصلب منذ تكلم الناس فيه حتى الآن . وتفرقت فيه آراؤهم أيدي سبا . وذهبوا فيه كل مذهب . فلا تكاد تجد قولا لأحدهم في أيّ عصر إلا وهو مضادّ لأقوال آخرين منهم على خط مستقيم . حتى لا ترى إلا غوغاء وجلبة المناقضات . فلم يتفقوا على كيفية الصلب ولا على معناه ولا على المراد منه . ولا اجتمع فيه رأيان . كان ذلك من باب التقليد والتسليم ، الذي لا يقام عليه دليل أعظم من أن يقال : إن الدين ينبغي أن لا يفهم ولا يدخل معناه السريّ تحت تصور . هذا مع أن الصلب عند النصارى هو قلب دينهم ( كما يقولون ) وأساس معتقدهم . حتى كأنه بمنزلة التوحيد عند المسلمين . ومع أن نفي الصلب عندنا ليس من الأصول التي انبنى عليها ديننا في شيء ، بل لا تخرج مسألته عن كونها من قصص الأولين ، كالإخبار عن نوح وإبراهيم وموسى ، مما سيق لنحو الوعظ والاعتبار - فلم يهجس بخلد مسلم منذ وجد الإسلام إلى يومنا هذا أن عيسى صلى اللّه عليه وسلم صلب أو قتل . ولم يخرق إجماع المسلمين على ذلك واحد منهم في كل عصر ومكان . وما ذلك إلا لضبط القرآن الكريم وصيانته . ولو حكّمنا غير متدين في هذه المسألة ، ونظر لأهمّيّتها عند النصارى ، مع عدم قدرتهم على إثباتها ، ولفرعيّتها عند المسلمين ، مع إجماعهم على نفيها إجماعا لا مثيل له في العالم - لا نبهر من همة المسلمين في ضبط وحفظ كتابهم ، وثباتهم في صغير الأمر وكبيره . وتمنى أن تتدلى الأنجم الزهر ليصوغ منها عقود ثناء ومدح لهم ، على عنايتهم بدينهم إلى هذا الحد الذي لا نظير له . ولم يسعه إلا أن يقلب أكف الأسف ، ويعضّ بنان الندم على تزعزع دين غيرهم . لدرجة أن أعظم أصل فيه لا يثبت إلا في مخيلات بعض المقلدين . من غير استناد على دليل نقليّ صحيح . أو عقليّ مسلم ، حتى قام عقلاؤهم نافضين غبار التقليد ، ناشدين الحقيقة . فانجلت ، لكثير منهم ، عن تدمير هذا البناء التقليديّ . والرجوع إلى ما ثبت بالدليل في ديانة غيرهم . ومما هو جدير بالتنبه له أن بولس الذي عزا إليه كل محققي التاريخ من الإفرنج وغيرهم ، أنه وحده المخترع لمسائل الصلب والفداء ، وألوهية عيسى إلى غير ذلك - قد أبان أن الصلب والقتل ليسا حقيقيين . كما جاء في رسالته لأهل غلاطية . حيث قال : أنتم الذين رسم يسوع المسيح بينكم مصلوبا . وقال في رسالته لأهل رومية : نحن نقوم بشبه موته . إلى أن قال : فدفنا معه بالمعمودية ، لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته ، نصير أيضا بارتفاعه ، عالمين أن إنساننا العتيق قد صلب معه إلخ . فيستفاد من مجموع أقوال بولس هذه أن المسيح لم يصلب ولم يقتل حقيقة . وإنما ذلك مجاز عن الشبه المقتول المصلوب .